السيد عباس علي الموسوي
354
شرح نهج البلاغة
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها * فسرك عند الناس أفشى وأضيع الثالث : ثم قال عليه السلام : رب ساع في ما يضرهّ . بعض الأمور يرغب فيها الإنسان ويحبها ويندفع في سبيل تحقيقها ، إنه يريدها بأسرع ما يكون . . . فإذا أحب سلعة أراد تحقيق المعاملة بدون سؤال عن الثمن وإذا أراد رحلة هيأ مقدماتها وركب على جناح السرعة لقطع المسافة والوصول إلى الهدف وإذا أراد فتاة سعى لخطوبتها متخطيا العقبات المادية وعقبات المعارضة من الأهل والأقارب وعقبات العيوب التي فيها حيث يعكسها محاسن ومناقب . وهكذا دواليك . . . يقوم بتذليل كل ما يعترض طريقه أو يقف في وجه أمنيته ، مع العلم أن بعض الأمور تحتاج إلى موضوعية في التقييم وإلى حياد في الحكم وإلى تنظيم وثيق للمقدمات . . . إن هذه التجاوزات لكل الحقائق والغض من الاعتناء بها ، وعدم التحقيق فيها لتكوين رؤيا صحيحة وسليمة تؤدي في كثير من الأحيان إلى الوقوع في الضرر والمفسدة . . . ولو أن كل فرد ، قبل إقدامه على أي موضوع وقضية ، يدرسه دراسة جيدة ، وينظر إلى مقدماته وخلفياته ، ثم يتوكل بعد ذلك على اللّه لقلّ الخطأ وندر . . . ولكن لعدم الوقوف على حقائق الأمور وعدم استيعابها نقع في المشاكل والأحداث ونقع في الفساد والضرر . والإمام هنا يريد أن ينبهنا إلى هذه القضية وهي أن الإنسان قد يسعى في شيء ويعود ذلك عليه بالضرر والمفسدة لأنه لم يتقنه جيدا ولم يعرف أبعاده بشكل مفصل ودقيق فينبغي أن لا يذوب في ما يسعى إليه ولا يجعله المفيد الذي لا فساد فيه . . . الرابع : قوله عليه السلام : من أكثر أهجر ، ومن تفكر أبصر . ولهذا نجد الحكماء يقولون : « من كثر كلامه كثر سقطه » ، وهذه قضية حقيقية ، فإن المهذار الثرثار في الكلام تضيع أمامه الموازين فتراه تارة يختلق ما لم يوجد ، وأخرى يزيد على ما وجد ، ومن طبيعة الكثرة في الكلام ، إنك تجد الاختلاف والتهافت فيه . وفي مقابل ذلك وخلافه ، الإنسان الذي فكر في كل كلمة يقولها وكل موقف يتخذه وكل قضية يريد وجه الحق فيها . من تفكر أبصر . . . من تفكر وأعطى كل مسألة حقها من الاهتمام والعناية قلّ خطأه وندرت أغلاطه . . . واستطاع أن يقدم اعتذاره في ما ذهب إليه وارتأى . . . وأما الذي يرتجل المواقف ويقذف بالكلمة كما يقذف بالطلقة دون نظر لآثارها ومخلفاتها فهذا إنسان لا يستحق المعاشرة فضلا عن الأهم من ذلك والأرقى . . . - وقد أمر اللّه بالتفكر وأثنى على المتفكرين . . . - قال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ